ميدانُ سِباقٍ!


عِندما ولجتُ ذلِكَ العالم، أَحسَسْتُ بِعُذوبةِ الحياةِ واستشعرْتُ رِقةَ الزهرةِ النديةِ حينَ تُداعبُها قطراتُ الندى الباردة في أولِ النهار!

عِندما ولَجْتُ ذلِكَ العالم أشرقَت روحي حُبًا كالشمسِ حين تبدأُ بالشروقِ وذِبْتُ عشقًا كالشمْعةِ الهادِئةِ في ليالِي الشَوقِ، حيثُ امتطيْتُ صَهْوَة النُورِ وارتقيتُ سُلَمَ الحُبِ! لِأَنِي وبكلِ فخْرٍ أنْتمِي إلى عالمِ التطوُع الفسيح.

فالتطوُعُ مُعجَمٌ احتضنَ بينَ دفتيهِ أروع معاني العطاء التي تحكِي قِصَةَ البذْلِ العظيم في سبيلِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى. نعَم فالعطاءُ شجرَةٌ مُثمِرةٌ تُؤْتِي أُكلها كُلَ حينٍ بِإذنِ ربِها تُغذِي القاصِي والدانِي وتستظِلُ بها أرواحٌ نذرَت نفسَها للخيرِ. فكلَما أبحرْتُ في عالَمِ السخاءِ استخرجْتُ لآلِئَ الإِخاءِ والمودة فأُطلِقُ لِنفسي العنانَ للتحليقِ في سماواتٍ احتشدَت بِنُجومٍ ومصابيح تُنيرُ الدروبَ وتَهدِي القلوب إلى حيثُ القناعة والرضا.

فالإِنسانُ عندما يُبحرُ في ميادين التطوُعِ فإنهُ يحظى بكثيرٍ منَ الإِمْكانياتِ والآلياتِ التي بدورها تصقل شخصيَته وتقربهُ من الإبداعِ والرقِي وتُسْهِمُ في انسِجامِهِ معَ عُقولٍ ارتقَت مدارِجَ الكرمِ والجودِ.

فيشرعُ في زرعِ نبتةِ الإِخلاص ويسقيها بِماءِ الحياةِ من أجلِ أَنْ تنمُو وتزدهِر في موسِمِ حصادِ السعادةِ والفخرِ لِأَنَ العملَ التطوُعي ميدانُ سِباقٍ، تتسابقُ فيهِ أرواحٌ حباها اللهُ بلُطفِهِ، وقُلوبٌ اِكْتسَتْ حُلَلَ النورِ فَطُوبى لِمَنْ أدرَكَ حقيقةَ هذا الفنِ العذْب وراحَ يتنافس بِكُلِ حُبٍ ووفاء وصِدق فاللهُ سُبحانَهُ وتعالى يقُول في مُحكمِ الذكرِ: (خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ).

فالتطوُعُ رِسالةٌ عُظمى مِن البارِي جلَ وعلا ونحنُ رُسُلُ البذْلِ والسلامِ في عالَمِ التقديرِ والامتنان، فاللهُ سبحانهُ وتعالى اختصنا بهذهِ الرسالة المُثلى لنُبلِغها على أكملِ وجهٍ فإِنَ اللهَ إذا أحبَ عبدًا اختصهُ بِرِضاهُ واصطفاهُ بكرَمِهِ وعِنايتهِ

والشاعِرُ يقولُ: وَإِذا رُزِقْتَ خليقةً محمودةً فَقَدِ اِصْطَفاكَ مُقسِمُ الأَرْزاقِ.

إِذن فالتطوُعُ خُلُق وهذا الخُلُق ينبغِي أَنْ يتنامى في رُبوعِ المجدِ والسُؤدَد.

فأنا لا أَنْسى أَبدًا تجرِبتي مَع "كِتابِ اللهِ المجيدِ" الذي رُحتُ أتنفسُ عِطرَ آياتِهِ وأنهلُ من عذْبِ فُراتِهِ، فطفِقْتُ أنشُرُ علومهُ من دارٍ إلى دارٍ كزهرةٍ بَثَتْ شذاها في كلِ الأرجاء!

فخدمَةُ كِتابِ اللهِ تعالى وِسامٌ تقلَدْتُهُ بِشهادةٍ من أستاذتي الغالية "أم رجاء" تلكَ الشمْعة التي ذابَت حبًا في القرآنِ العظيمِ (فتحيةُ شكرٍ لها من القلب). ففي عالَمِ آيِ الذكرِ الحكيمِ وجدتُ روحي تُحلِقُ شوقًا في سماءِ السُمُوِّ والعِشقِ الأبدِي ، لِأنَ الإبحار في كتابِ الباري جلَ شأنهُ غايةُ المُنى إذْ تكمنُ فيهِ التِجارة الرابِحة والعيش الرغيد.

فأرجُو مِنَ ربي وخالِقي ومُنعِمي أَنْ يتقبلَ مني هذهِ البضاعة المُزجاة بِأَحسنِ قبولهِ وأَنْ يُلهِمَنِي فهمَ آياتهِ الكريمة وأَنْ يُغدِقَ عليَ فيوضاتِ نعمِهِ لإكمالِ مسيرة العشِقِ الخالِدة.