الاحسان حين يعود إليك


لازلت أتذكر جيدا حدثين عابرين لم أتصور أنهما سيعلقان هكذا في ذاكرة ضميري. في إحدى ليالي عام 2009 وعند عودتنا من البحرين حيث كنا نقيم، استوقفنا في الطريق المظلم رجل طاعن في السن، أخبرنا بحاجته للمال ليعود لبلده. كنت مرعوبة جداً من نزول زوجي حيث يقف الرجل وقد أطال الوقوف ثم عاد. سألته ماذا حدث ومن هذا الرجل فقال هذا سائل تعطل وأراد من يغيثه..

وقبل عدة أشهر وعلى أحد الشوارع الرئيسية، استوقفنا شاب توسد الرصيف عند الإشارة الضوئية وقد كان مظهره مثيرا للتساؤل. فتح زوجي نافذته ليسأله إن كان بحاجة للمساعدة أو أن نوصله لمشفى أو أي مكان يشاء فأجاب بأنه في انتظار شخص ما وأخذ يتذمر كما لو كان يحدث نفسه ! كم موقفاً مشابهاً يمكن أن يتكرر في حياتنا ونستجيب له ثم ننساه لكننا حتما لن ننسى من لم نستطع مساعدته أو راودتنا منه ريبة.

قبل أكثر من عام وقعت أنا شخصيا في موقف لا أحسد عليه حيث كنت في مقر الأحوال المدنية بغرض تجديد بطاقتي وتفاجأت بأن علي غرامة تأخير وعلي دفع مائة ريال نقدا حتى أتمكن من الحصول على الباقة الجديدة. فتشت سريعاً في حقيبتي فوجدت المبلغ الذي أحمله ناقصا 11 ريال ولأنني في العادة لم أعتد حمل مبالغ نقدية معي وأعتمد على البطاقة البنكية لقضاء أموري. وحين سألت الموظفة عما إذا كان يوجد طريقة أخرى لدفع المبلغ المطلوب، إلا أنها أجابت بالنفي فلا يوجد وسيلة أخرى لتسديد الغرامة.

فكرت في العودة مجدداً، إلا انها أخبرتني بصعوبة أن أجد موعدا جديدا قريبا، اتصلت بزوجي في مقر عمله في محاولة يائسة لإنقاذ الموقف فسمعتني إحدى المراجعات إلى جواري ومدت يدها داخل حقيبتها لتخرج منها مائة ريال وتسلمها لموظفة الأحوال فوق أوراقي دون أن تترك لي فرصة الإعتذار منها!

لقد اخجلني موقفها جداً ولكنني في الوقت ذاته شعرت بالإمتنان الشديد لها على 11 ريال التي فرجت بها همي. في إعتقادي بأن هذه المرأة قد نست تماماً ما قدمته لي من مساعدة وتعتقد أنه شيء لا يذكر ولكنني كما - الرجل الطاعن في بداية المقال - لم ننس المعروف أبداً وكلما تذكرتها دعوت لها بإخلاص.

الشيء بالشيء يذكر، حدثت مع أمي قصة مشابهة، حين كانت تستقل سيارة أحد شباب البلد الذين يترزقون بعمل اضافي بايصال المشاوير بسياراتهم وقد كان هذا الشاب ضعيف الحال. كانت أمي تسأله عن أمه وأهله وأحواله وكان يجيب بحمد الله وأنه بالكاد يكسب قوت يومه. تقول أمي أنها فكرت كثيرا في كيفية مساعدة هذا الشاب دون أن تجرح كرامته وتكسر تعففه، فاعطته على المشوار كل ماكان بحوزتها من نقود وتقول أنها نسيت كم كان المبلغ حينها و أن الشاب أخذ المبلغ دون أن يعده ووضعه في جيبه.

بعد عدة سنوات استقلت أمي سيارته مصادفة وقد نسيت أمره تماماً. وما أن عرفها حتى تغير صوته وبدا عليه البشر والسرور وأخذ يقص عليها كيف أنه في السنوات الماضية قد غير حياته واستطاع إكمال دراسته وحصل على ترقية في عمله ولكنه لايزال يقوم بايصال الناس وقت فراغه. تقول كنت سعيدة وفخورة وأنا أسمعه يتحدث كما لو كان إبني . وحين قاربت على الوصول شكرني بإخلاص شديد ورفض أن يأخذ مني أجرة المشوار وقال : "لقد أخذتها سلفاً حين أعطيتني في ذلك العام سبعين ريال استطعت أن أقضي بها الشيء الكثير، فأنت لا تتصوري كم فرجت عني في ذلك اليوم." نزلت أمي ودموعها تبلل وجهها وهي تتمنى بحسرة لو أنها أعطته مبلغاً أكبر لتساعده به، وكيف أنها قد نسيت أمره تماما كل هذه السنوات ليعود بها المطاف بامتنان لم تتوقعه!

قد نستصغر العون الذي نقدمه ونجد أنه مخجل في لحظته ولكن الله يطرح فيه بركة لا تعادلها بركة. فلا تبخلوا على أنفسكم بغبطة الإحسان، فإنه سيعود لكم كسحابة محملة بالخير في أشد لحظات الحاجة إليه.

* قدمت كخطبة في نادي رسالة توستماسترز في نوفمبر 2017.