مرآتي يا مرآتي: من أنا كمتطوع؟

صورة رمزية

لن أنسى أبداً أول تجربة تطوعية لي، كنت في السابعة عشر من عمري حين شاركت كمتطوعة في رحلة تابعة للجنة كافل اليتيم بإحدى الجمعيات الخيرية بالمنطقة. فكرت كثيرا في ماقد يحدث في تلك الرحلة. حينها، كنت قد رسمت في ذهني صورة نمطية للطفل اليتيم، بعمر ووضع اجتماعي نمطي كما في الأفلام والرسوم المتحركة.

في الرحلة، تعمدت ارتداء ملابس رياضية غير متكلفة حتى لا أبدو في مستوى ممايز، وأعددت مسابقة ثقافية وجوائز تلائم أيتاماً في سن لا تتجاوز الثانية عشرة. بعد وصولي لموقع الرحلة، تفاجأت بأن معظم اليتيمات كن في مثل سني ويجاوزنني سنا وبأنهن يرتدين أجمل الملابس ويتابعن آخر صرعات الموضة.

وفي غمرة دهشتي قمنا بعمل المسابقة وأثناء توزيع الجوائز أبكمني المشهد! ومنظر الأيدي الممتدة تصارع للحصول على الجائزة رغم تواضعها وبساطتها. تعلمت من هذا الموقف أن المظاهر يمكن أن تخدع وتوهم بما هو مختلف عن الجوهر.. فليس لليتم عمر وليس له شكل!

غمرتني السعادة بعد هذه التجربة، شعرت فيها بلذة العطاء والبذل في سبيل الاخرين. وعقدت العزم بأن أكرر هذه التجربة حالما أستطيع. لقد تركت هذه التجربة في نفسي أثرا بالغا لازلت أحمله، حتى في كل مرة أعزم فيها على المبادرة بعمل ما أتذكرها وأحاول أن أجد الهدف الحقيقي من تطوعي من محفل لآخر.

أضع نفسي موضع هؤلاء اليتيمات لأكون في الضفة المقابلة، فأرى أنني لم أكن سوى عابرة سبيل جاءت لتشعر بالرضا عن ذاتها بتطوعها في يوم واحد من السنة، لم تترك سوى أثر لحظي غير مستدام، فالايتام وكبار السن والمرضى بحاجة لدعم مستمر، لابد أن يكون المتطوع دائم التواصل معهم يسأل عنهم ويعرف حاجاتهم، ليحقق بذلك هدفه الأعلى وهو رضا الله ومحاولة التنفيس عن كرباتهم وقضاء حاجاتهم.

وقد تختلف أهداف المرء تبعا لما يتطوع فيه، فجنة العمل التطوعي غناء يستطيع الانسان أن يقطف من ثمارها ما يشاء ، فهناك من الأهداف؛ مثلا تطوير القدرات الفردية كمهارة المشاركة والاستماع والحس النقدي والتنموي، أو ممارسة أدوار متعددة، وطرق أعمال لم يسبق للانسان تجربتها ليكتسب الخبرة مثل الإدارة اللوجستية وتنظيم المحافل والمناسبات والمؤتمرات وتطوير مهارات التخطيط وكيفية عقد الاجتماعات وإدارة فريق عمل في اللجان والمؤسسات ليس انتهاء بتجربة إدارة الموارد المالية، إذ ليس من السهل أن تجد المبادرات التطوعية منابع دائمة للموارد المالية، ولابد من السعي لاستحداث طرق تمويل للمبادرات والمشاريع الغير ربحية دون الإعتماد الكلي على الداعمين والرعايات الخارجية.

كل هذه وغيرها أهداف شخصية محضة، وهي أهداف مشروعة ومرغوبة وهي الأكثر انتشارا، وهناك أهداف أخرى أقرب للحاجات النفسية. فلا يشعر بها الإنسان حقاً، بل تحركها أهواؤه الخفية كحب السيادة والزعامة والوجاهة الاجتماعية وترقب نظرة التقدير في عيون الناس وكذلك حب الظهور والإحساس بالإنجاز. ومن وجهة نظري الشخصية، فإن هذه الأسباب الغير ظاهرة قد تكون سبب انصراف المتطوعين وتغيير الوجوه سريعاً في الأعمال التطوعية. بينما تبقى وجوه أخرى في نفس الموقع بشكل مستمر إما لسد حاجة ملحة أو لرغبة في تحقيق مركز ووجاهة اجتماعية.

حين وعيت لذلك، وجدتني أخاطب نفسي وأذكرها بأن ما يجعل الشخص مسؤولاً في لجنة أو مديراً أو قائداً باختلاف المسميات ليس بالضرورة خبراته المتعددة ولا مهاراته الممتدة. وأن عليه أن يتذكر دائماً بأنه قد يوجد من أعضاء فريقه من هو أجدر منه لقيادة هذا الفريق، ولكن قد تؤثر أولويات هذا الشخص أو ظروفه في تصدره للمكانة الاعتبارية. إنما ما مكّن هذا القائد من تبوأ هذا الدور القيادي ثلاثة أمور مهمة وهي: احساسه بالمسؤولية، مساحة وقته التي يستطيع أن يخصصها لهذا الدور، وحماسته وثقته بنفسه.

يأتي بعد الأهداف الذاتية والحاجات النفسية أن نذكِّر بقيمة أكبر وهي العمل على خدمة الله والسعي للحصول على رضاه ومحاولة أن نكون معول بناء في تنمية العالم ليكون عالماً أفضل. فهذا الهدف وهذه القيمة كثيرا ما تغيب في غمرة الزحام، وغيابها هو المبرر الأول في عدم الصبر واستعجال قطف الثمار والانسحاب من الأعمال التطوعية ، ولنتذكر دائما أنه "ماكان لله ينمو".

وأخيرا فإننا حين نقف أمام المرآة، فإننا حتما سنرى انعكاس لصورنا ، صورنا تلك التي لابد وأن نشعر بحميمية مألوفة حين نبصرها، وسنجد في تلك الصورة أيضاً أموراً تذكرنا بعدم كمالنا. لكننا في الوقت ذاته سنحاول جاهدين ابدائها بشكل أفضل أو أن نتصالح مع ذواتنا ونتجاهل سلبياتنا لنعيش بسلام.

حين نتصدى لعمل اجتماعي سواءً كنا في موقع قيادي أو كنا في موقع تنفيذي، فأغلبنا يطالع تلك الصورة الجميلة ويشعر بالرضا تجاهها. إلا أننا يجب أن نقف خلف المرآة، ليتمكن الذي يقف أمامنا من رؤية انعكاس صورته هو ولتختفي فينا (الأنا) تماماً. ليجد فينا يد العون التي هو بحاجة إليها ونجد نحن القيمة الأكبر من العطاء وهو جهاد النفس، الظل الذي نتفيء نحن فيه ومن يسير في الطريق! هو ظل العطاء.

*خطبة قدمت في نادي كيتوس توستماسترز بتاريخ ١٧-٩-٢٠١٣